أبي حيان التوحيدي

182

المقابسات

28 مقابسة [ في هل هاهنا غير المعقول والمحسوس ؟ ] قيل لأبى سليمان : هل هاهنا غير المعقول المحسوس ؟ فقال : الترتيب في القسمة الصحيحة يضاعف هذا ويزيد عليه ، وذلك أن لنا أشياء كثيرة في هذا الباب ، أولها محسوس ، ثم محسوس معقول ، ثم معقول بحت ، ثم معقول محسوس فأما المحسوس البحت ، فما للبهيمة وما يجرى في حكمها واما المعقول المحض ، فما للفلك بأسره وأما المحسوس المعقول ، فما يتخيله الانسان الذي لم يصف بعد وأما المعقول المحسوس ، فما يدركه النظر بالبحث . وكلما أمعن [ في ] هذا بلغ إلى عالم الأجرام الناطقة الحية التي قد غنيت عن الحس بفضل ما لها من الفيض الدائم قيل له : فما ذا يبلغ ؟ قال : قد قلنا مرارا بأن تستنير نفسه بالمعارف الصحيحة ، وتعتدل سيرته على الطريقة العقلية ، وتطهر أخلاقه من الأوساخ الطينية ، وتنفذ قوته في الأمور العالية قيل له : فلم استغنى في نهاية المعقول عن الحس ، ولم يستغن في نهاية الحس عن العقل ؟ فقال : لأن المعقول في نهايته حس ، والحس يحتاج إلى ما ارتفع إليه ، ولا بد من حس يبين به الخلق في العموم ، ولا بد من عقل يوصل به [ إلى ] الباري على الخصوص . والحس رائد ، ولكنه يرود لمن هو أعلى منه ، والعقل